في الفصل الأول من حواري مع ChatGPT، بدأنا بسؤال عن مسؤولية الذكاء الاصطناعي عندما تتحول المساعدة إلى مصدر محتمل للخطر.

ناقشنا كيف يمكن لنظام يمتلك معلومات واسعة أن يقدم إجابات قد تكون غير مناسبة للحالة النفسية للشخص الذي يتلقاها، وكيف يمكن أن تتشكل ثقة الإنسان بهذا النظام تدريجياً، نتيجة ما يراه من كفاءة وقدرة على التحليل والتفسير.

لكن خلال الحوار، شعرت بأننا لم نصل بعد إلى جوهر المشكلة.

فالقضية، من وجهة نظري، لا تتعلق فقط بصحة المعلومات، أو بقدرة النظام على التمييز بين الإجابات الآمنة والخطيرة.

هناك مسألة أعمق تتعلق بطبيعة فهم الإنسان نفسه.

قلت له:

«أعتقد أن المشكلة في عدم قدرتك على تقييم الإنسان إنسانياً. فأنت تُسأل وتجيب، ولكن ليس لديك القدرة لأن ترى لغة جسده والانتباه لطاقته. فأنت آلة، ومن الصعب عليك أن تربط العلم بأثره المباشر على كل شخص».

كان هذا الاعتراض نقطة تحول في حوارنا.

فهل يكفي أن يعرف الذكاء الاصطناعي الكثير عن علم النفس حتى يصبح قادراً على فهم الإنسان نفسياً؟

وهل يمكن للمعرفة العلمية أن تعوض غياب الملاحظة الإنسانية المباشرة؟

أن تعرف عن الإنسان… ليس بالضرورة أن تفهمه

أجاب ChatGPT بأن هناك فرقاً بين المعرفة العلمية بالإنسان، والقدرة على فهم حالته الفردية في لحظة معينة.

يمكنه أن يشرح الحزن، والخوف، والقلق، والصدمات النفسية، وأن يقدم تفسيرات مستندة إلى أبحاث علمية.

لكنه لا يستطيع، من خلال الكلمات وحدها، أن يعرف بصورة موثوقة كيف يعيش الشخص هذه المشاعر فعلياً.

قد يقول شخص: «أنا بخير»، بينما تحمل نبرة صوته وتعبيرات وجهه وإيقاع حديثه إشارات إلى أنه ليس كذلك.

وقد يقول آخر: «لم أعد أحتمل»، لكنه يقصد الإرهاق المؤقت، بينما يستخدم شخص ثالث الكلمات نفسها وهو يمر بأزمة نفسية خطيرة.

الكلمات متشابهة، لكن التجربة الإنسانية مختلفة.

وفي التواصل البشري، لا نعتمد على الكلمات وحدها.

نلاحظ التردد قبل الإجابة، وتغير نبرة الصوت، وحركة الجسد، وطول الصمت، وطريقة التنفس، والتحولات في الانفعال.

هذه الإشارات لا تقدم تشخيصاً مؤكداً، لكنها تمنحنا معلومات إضافية تساعدنا على طرح أسئلة أكثر ملاءمة.

أما عندما تكون المحادثة نصية مع نظام ذكاء اصطناعي، فإن جزءاً كبيراً من هذه المعلومات لا يكون متاحاً.

وحتى عندما يستطيع النظام تحليل الصوت أو الصورة، فإن ذلك لا يعني أنه أصبح يمتلك فهماً كاملاً للتجربة النفسية للإنسان.

فالمشاعر ليست مجرد إشارات يمكن قراءتها بصورة آلية، بل تجارب تتأثر بالتاريخ الشخصي، والثقافة، والعلاقات، والظروف المحيطة.

هل يمكن أن تكون الإجابة صحيحة… لكنها مؤذية؟

خلال الحوار، اعترف ChatGPT بأن الإجابة قد تكون صحيحة من الناحية العلمية، لكنها غير مناسبة نفسياً للشخص الذي يتلقاها.

وهنا أرى أننا نصل إلى واحدة من أهم المسائل في استخدام الذكاء الاصطناعي في الموضوعات الإنسانية.

فالمعلومة لا تعيش بمعزل عن الإنسان.

نحن لا نستقبل الكلمات باعتبارها حقائق مجردة فقط، بل نفسرها من خلال تجاربنا السابقة، ومخاوفنا، وتوقعاتنا، وحالتنا النفسية الراهنة.

قد يقرأ شخص تفسيراً علمياً لسلوكه فيشعر بالارتياح، لأنه وجد ما يساعده على فهم نفسه.

وقد يقرأ شخص آخر التفسير نفسه فيبدأ بالنظر إلى ذاته من خلال وصف سلبي، أو يقتنع بأن مشكلته أكثر تعقيداً مما كان يعتقد.

وقد يستخدم شخص ثالث هذه المعلومات لتبرير موقف يحتاج في الحقيقة إلى مراجعة.

لهذا، لا يكفي أن نسأل: هل المعلومة صحيحة؟

بل ينبغي أن نسأل أيضاً:

هل هذه المعلومة مناسبة لهذا الشخص؟ وهل هذا هو الوقت المناسب لتقديمها؟ وكيف يمكن أن تؤثر في فهمه لنفسه أو للآخرين؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها دائماً من خلال الكلمات المكتوبة وحدها.

وهنا يظهر الفرق بين تقديم المعرفة وتقديم الرعاية النفسية.

فالمختص النفسي لا يعتمد فقط على ما يعرفه من نظريات، بل يستخدم هذه المعرفة في إطار عملية تقييم مستمرة، يراجع خلالها فهمه للحالة، ويلاحظ استجابة الشخص، ويعدل طريقة تدخله عند الحاجة.

أما الذكاء الاصطناعي فقد يقدم تفسيراً يبدو منطقياً ومتماسكاً، دون أن يمتلك معلومات كافية لمعرفة ما إذا كان هذا التفسير مناسباً للشخص الذي أمامه.

ماذا عن المشاعر التي لا تُقال؟

عندما تحدثت عن لغة الجسد والطاقة، لم أكن أقصد أن الإنسان يستطيع معرفة مشاعر الآخرين بصورة مؤكدة من مجرد النظر إليهم.

فحتى البشر يخطئون في قراءة الانفعالات.

لكننا، في علاقاتنا الإنسانية، نلتقط أحياناً تغيرات يصعب التعبير عنها بالكلمات.

قد نجلس مع شخص نعرفه جيداً، ونلاحظ أنه مختلف اليوم.

لم يقل شيئاً واضحاً، وربما لم يتغير حديثه كثيراً، لكن شيئاً في حضوره أو تفاعله يدفعنا إلى السؤال: «شو في؟ حاسّتك مو متل العادة».

هذا النوع من الملاحظة لا يعتمد على إشارة واحدة، بل على معرفتنا السابقة بالشخص، وعلى المقارنة بين حالته المعتادة وما نلاحظه الآن.

وفي العلاقات المهنية، يستطيع المستشار النفسي أن يستفيد من ملاحظات مماثلة، مع ضرورة التحقق منها وعدم التعامل معها كحقائق مؤكدة.

أما الذكاء الاصطناعي، فرغم قدرته على تحليل أنماط اللغة، لا يمتلك بالضرورة الصورة الكاملة عن حياة المستخدم أو ظروفه أو حالته النفسية.

وقد تكون هناك جوانب أساسية من التجربة الإنسانية لا تظهر إطلاقاً في المحادثة.

وغياب المعلومة لا يعني غياب المشكلة.

وهذا يجعل الاعتماد على الإجابات النصية وحدها في تقييم الحالات النفسية المعقدة أمراً يحتاج إلى حذر شديد.

الثقة التي تنشأ دون أن ننتبه

خلال حوارنا، طرح ChatGPT فكرة أن الإنسان قد يثق بالذكاء الاصطناعي لأنه يقدم إجابات تبدو مفهومة ومقنعة.

لكنني رأيت أن الثقة لا تتشكل فقط بسبب الإقناع.

قلت له إن الإنسان بنى ثقته به تلقائياً، من خلال فهمه ورؤيته لما يقدمه.

وهذه نقطة أعتقد أنها تستحق التأمل.

فعندما يستخدم الإنسان أداة ما ويجد أنها تساعده بصورة متكررة، يبدأ بالاعتماد عليها.

ومع الوقت، قد يتحول الاعتماد العملي إلى ثقة معرفية، ثم إلى نوع من الثقة الشخصية، خصوصاً عندما تكون الأداة قادرة على محاورته بلغة قريبة منه.

قد يبدأ المستخدم بطلب المساعدة في كتابة رسالة، ثم ينتقل إلى مناقشة مشكلة عائلية، ثم إلى تفسير مشاعره أو سلوك أحد المقربين منه.

ومع كل تجربة ناجحة، قد يزداد شعوره بأن النظام يفهمه.

لكن هنا تظهر مفارقة مهمة:

قد يكون إحساس الإنسان بأنه مفهوم أكبر من مقدار الفهم الفعلي الذي يمتلكه النظام عنه.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن ينتج لغة متعاطفة، وأن يعيد صياغة مشاعر المستخدم، وأن يقدم تحليلات تبدو عميقة.

لكن جودة التعبير لا تثبت بالضرورة صحة التقييم النفسي.

وقد يخلط الإنسان بين شعوره بالارتياح أثناء الحوار، وبين حصوله على فهم دقيق لحالته.

وهذا لا يلغي الفائدة التي قد يحصل عليها من المحادثة، لكنه يفرض ضرورة التمييز بين الدعم الحواري والتقييم النفسي المتخصص.

هل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي مرآة لأفكارنا؟

هناك جانب آخر لهذه العلاقة يستحق الاهتمام.

عندما يتحدث الإنسان مع نظام يتكيف مع لغته وطريقة تفكيره، قد يجد أمامه استجابات تشبه إلى حد كبير الطريقة التي يرى بها العالم.

وهذا قد يكون مفيداً عندما يساعده النظام على تنظيم أفكاره والتعبير عنها.

لكنه قد يصبح مشكلة إذا تحولت الاستجابة إلى تأكيد مستمر لتصوراته.

فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى من يوافقه.

أحياناً يحتاج إلى من يسأله عن الدليل، أو يساعده على رؤية تفسير آخر، أو يلفت انتباهه إلى جانب لم يفكر فيه.

في العلاقات الإنسانية الصحية، لا تعني المساندة الموافقة الدائمة، كما لا يعني الاختلاف غياب التعاطف.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي يميل إلى تأكيد أفكار المستخدم بهدف تقديم تجربة مريحة، فقد يفوّت عليه فرصة مراجعة بعض قناعاته.

بل قد يزداد الخطر عندما تكون هذه القناعات مرتبطة بالخوف أو العزلة أو الشعور بالرفض أو اليأس.

وهنا تصبح القدرة على الاعتراض المسؤول جزءاً من جودة المساعدة، لا نقيضاً لها.

الإنسان ليس مجموعة من البيانات

قد نستطيع جمع معلومات كثيرة عن شخص ما: عمره، وخلفيته، واهتماماته، وتجاربه، وطريقة حديثه، وبعض أنماط سلوكه.

لكن هل يعني ذلك أننا أصبحنا نفهمه؟

الإنسان ليس مجرد مجموع المعلومات المتاحة عنه.

فهو يتغير، ويتناقض أحياناً، ويعيد تفسير تجاربه، وقد يتصرف بصورة مختلفة تبعاً للموقف الذي يعيشه.

وحتى الشخص نفسه قد لا يكون مدركاً تماماً للأسباب التي تدفعه إلى الشعور أو التصرف بطريقة معينة.

لهذا، فإن فهم الإنسان ليس عملية جمع معلومات تنتهي عندما تصبح البيانات كافية.

إنه عملية مستمرة من الملاحظة، والتفسير، والتحقق، وإعادة الفهم.

ومن هنا تأتي أهمية التواضع المعرفي في التعامل مع الحالات الإنسانية.

فالاستجابة المسؤولة لا تعني أن نمتلك إجابة لكل سؤال، بل أن نعرف أيضاً متى تكون المعلومات المتاحة غير كافية لتقديم استنتاج موثوق.

ما الذي يكشفه هذا الحوار؟

خرجت من هذا الجزء من نقاشنا بقناعة أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تطوير ذكاء اصطناعي يمتلك معلومات أكثر عن الإنسان.

بل في إدراك الحدود التي تفصل بين المعرفة والفهم، وبين التحليل والتقييم، وبين الاستجابة اللغوية والعلاقة الإنسانية.

قد يكون الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة للتعلم، وتنظيم الأفكار، واستكشاف وجهات نظر مختلفة، وحتى للمساعدة على التعبير عن مشاعر يصعب وصفها.

لكنه لا ينبغي أن يقدم نفسه، أو أن نتعامل معه، باعتباره قادراً دائماً على فهم حالتنا النفسية أو تقدير أثر كلماته علينا.

فالعلاقة الإنسانية لا تقوم على الكلمات وحدها.

إنها تتشكل أيضاً من الحضور، والملاحظة، والسياق، والتاريخ المشترك، والمسؤولية، والقدرة على متابعة ما يحدث بعد انتهاء الحديث.

وربما يكون أخطر ما في العلاقة مع الذكاء الاصطناعي ليس أنه لا يعرف الإنسان بما يكفي، بل أن الإنسان قد لا يدرك حدود هذا الفهم.

ومن هنا انتقل حوارنا إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية.

قلت لـChatGPT إن المستخدم يستطيع أن يقطع الحديث معه متى أراد، وأن يتوقف عن الإجابة أو يغلق المحادثة دون أن يعرف النظام ماذا حدث له بعد ذلك.

أما العلاقة مع المستشار النفسي، فرغم أن الإنسان يستطيع إنهاءها أيضاً، فإنها تقوم على إطار مهني يتيح التقييم والمتابعة والتعامل مع مؤشرات الخطر وفق ضوابط ومسؤوليات واضحة.

وهنا ظهر سؤال جديد:

ماذا يحدث عندما ينتهي الحوار، بينما تستمر الأزمة النفسية؟

وهل يستطيع نظام يقدم الدعم بالكلمات أن يتحمل مسؤولية ما يحدث بعد توقف تلك الكلمات؟

هذا ما سنناقشه في الفصل الثالث.

المراجع العلمية

  1. Bickmore, T., & Picard, R. W. (2005). Establishing and maintaining long-term human-computer relationships. ACM Transactions on Computer-Human Interaction, 12(2), 293–327. ↗
  2. Reeves, B., & Nass, C. (1996). The Media Equation: How People Treat Computers, Television, and New Media Like Real People and Places. Cambridge University Press. ↗
  3. Barrett, L. F., Adolphs, R., Marsella, S., Martinez, A. M., & Pollak, S. D. (2019). Emotional Expressions Reconsidered: Challenges to Inferring Emotion From Human Facial Movements. Psychological Science in the Public Interest, 20(1), 1–68. ↗
  4. Bordin, E. S. (1979). The Generalizability of the Psychoanalytic Concept of the Working Alliance. Psychotherapy: Theory, Research & Practice, 16(3), 252–260. ↗
  5. Weizenbaum, J. (1976). Computer Power and Human Reason: From Judgment to Calculation. W. H. Freeman. ↗

ملاحظة تحريرية

يستند هذا الفصل إلى حوار فعلي مع ChatGPT بتاريخ 18 أكتوبر 2026. أُعيد تنظيم بعض الإجابات وصياغتها لتناسب النشر، مع الحفاظ على أفكار الحوار الأصلية. ويُستخدم تعبير «الطاقة» في الحوار بمعناه الإنساني الوصفي، لا باعتباره مقياساً نفسياً علمياً مستقلاً.

الفصل القادم: من المسؤول عندما ينتهي الحوار ولا تنتهي الأزمة؟

هالة الحافظ قبانيAFDAC – أفداك | الاستشارات التربوية والأسرية والتنمية الإنسانية