هل أصبح الإنسان اليوم أكثر حساسية، أم أننا أصبحنا أكثر انشغالاً بحساسيته؟

سؤال يستحق التأمل، خصوصاً في زمن أصبحت فيه المشاعر موضوعاً يومياً للنقاش والتحليل والتفسير.

نشعر بالحزن، فنبحث عن سببه. نتعرض للرفض، فنحاول فهم أثره النفسي. نشعر بالملل، فنبحث عن وسيلة للتخلص منه. نختلف مع شخص، فنبدأ بتحليل شخصيته وطريقة تعلقه وتجاربه السابقة.

وكأن كل شعور يحتاج إلى تفسير، وكل سلوك يحتاج إلى تصنيف، وكل تجربة غير مريحة تحتاج إلى تدخل.

لكن ماذا لو كانت بعض هذه المشاعر جزءاً طبيعياً من الحياة، لا مشكلة تستدعي الحل؟

عندما أصبحت الراحة توقعاً دائماً

لا شك أن التطور الإنساني ساهم في تحسين جوانب كثيرة من حياتنا. أصبحت بعض المهام اليومية أسهل، وتوفرت وسائل متعددة للراحة والتواصل والترفيه.

لكن الراحة، عندما تتحول من نعمة نستفيد منها إلى حالة نتوقع استمرارها، قد تغير علاقتنا بالصعوبات.

فقد اعتدنا الحصول على إجابات سريعة، وخدمات فورية، ووسائل ترفيه متاحة في كل لحظة.

نشعر بالملل، فنفتح الهاتف. ننتظر، فنبحث عن شيء يشغلنا. نواجه موقفاً مزعجاً، فنحاول التخلص من شعورنا تجاهه بأسرع وقت.

ومع الوقت، قد يصبح احتمال الانزعاج نفسه أكثر صعوبة.

ليس لأن الإنسان فقد قدرته على التحمل بالضرورة، بل لأن بعض أنماط الحياة أصبحت تمنحه فرصاً أقل لممارسة الصبر، والانتظار، والتعامل مع الإحباط البسيط.

وهنا يظهر فرق مهم بين أن نوفر لأنفسنا حياة أكثر راحة، وأن نتوقع حياة خالية من المشاعر غير المريحة.

فالراحة ليست مشكلة، لكن الاعتياد على تجنب كل صعوبة قد يحرمنا من فرص تطوير قدرتنا على التعامل معها.

هل أصبحنا نفسّر الإنسان أكثر مما نفهمه؟

ساهم انتشار المعرفة النفسية في مساعدة كثير من الناس على فهم تجاربهم، والتعرف إلى مشكلاتهم، وطلب المساعدة عندما يحتاجون إليها.

وهذا تطور مهم.

لكن انتشار المصطلحات النفسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي أوجد أحياناً اتجاهاً آخر: تفسير السلوك الإنساني اليومي من خلال مفاهيم نفسية قد لا تنطبق عليه.

فالشخص الذي ينسى ليس بالضرورة مصاباً باضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD)، والذي يفضّل العزلة لا يعاني بالضرورة من صدمة نفسية، ومن يتأثر بالنقد لا يحتاج دائماً إلى تشخيص يفسر حساسيته.

قد تكون وراء هذه السلوكيات أسباب متعددة، وقد تكون أحياناً اختلافات إنسانية طبيعية.

التشخيص النفسي الحقيقي لا يقوم على وجود سلوك منفرد، بل على تقييم متخصص يأخذ في الاعتبار شدة الأعراض واستمرارها وتأثيرها على حياة الإنسان.

المشكلة لا تكمن في المعرفة النفسية، بل في استخدامها لتفسير كل اختلاف أو انزعاج.

وربما نحتاج أحياناً إلى أن نسمح للإنسان بأن يكون متعباً، أو متردداً، أو غاضباً، أو غير واضح، دون أن نسارع إلى وضع اسمه داخل تصنيف.

وسائل التواصل… عندما أصبحت الحياة مقارنة مستمرة

لم تكن المقارنة بين الناس يوماً ظاهرة جديدة.

لكن ما تغير هو حجم المقارنة وسرعتها وطبيعتها.

في الماضي، كانت المقارنة غالباً محصورة ضمن دوائر اجتماعية محدودة. أما اليوم، فيستطيع الإنسان خلال دقائق أن يشاهد عشرات الصور عن النجاح والجمال والعلاقات والسفر والإنجاز.

والمشكلة أننا لا نقارن حياتنا بحياة الآخرين كاملة، بل نقارن تفاصيل أيامنا العادية بلحظات مختارة من حياتهم.

قد تجلس أم مرهقة في نهاية يوم طويل، ثم تشاهد مقطعاً لأم تبدو هادئة ومنظمة وسعيدة مع أطفالها، فتبدأ بالتساؤل عن كفاءتها.

وقد يرى شاب إنجازات أشخاص في عمره، فيشعر بأنه تأخر عن الحياة، رغم أنه يسير في ظروف مختلفة تماماً.

وهكذا، قد تتحول المقارنة من وسيلة لفهم موقعنا في العالم إلى مصدر دائم للشعور بالنقص.

والأخطر أن الإنسان قد لا يعود يسأل نفسه: هل أنا راضٍ عن حياتي؟

بل: هل حياتي تشبه الحياة التي يفترض أن أعيشها؟

عندما يصبح الاهتمام بالألم جزءاً من استمراره

هناك جانب آخر يستحق التفكير في طريقة تعاملنا مع المشاعر، وخصوصاً داخل الأسرة والعلاقات القريبة.

قد نلاحظ أن بعض الأشخاص يستفيدون من الإصغاء والاحتواء، بينما يستمر آخرون في تكرار الشكوى كلما ازداد التركيز على ألمهم.

كيف يمكن تفسير ذلك؟

في علم النفس، توجد ظاهرة تُعرف بالاجترار النفسي، وهي الاستمرار في التفكير بالمشاعر السلبية والمشكلات وإعادة تحليلها دون الوصول إلى فهم جديد أو خطوة تساعد على التعامل معها.

وعندما يحدث هذا النمط بصورة متكررة بين شخصين، قد يتحول إلى ما يُعرف بالاجترار المشترك (Co-rumination).

فقد يشعر الإنسان بأنه مسموع ومفهوم، لكنه يظل يدور حول المشكلة نفسها.

كما أن الطمأنة المتكررة قد تمنح بعض الأشخاص راحة مؤقتة، دون أن تساعدهم دائماً على بناء الثقة بقدرتهم على التعامل مع المواقف الصعبة.

هذا لا يعني أن علينا تجاهل الألم أو التقليل منه، ولا أن الشكوى دليل ضعف.

بل يعني أن الدعم يحتاج إلى توازن بين الاعتراف بالمشاعر، والثقة بقدرة الإنسان على مواجهتها.

فبدلاً من أن يقتصر اهتمامنا على السؤال: «كم أنت متألم؟»، يمكن أن نضيف سؤالاً آخر: «ما الذي قد يساعدك على تجاوز هذه التجربة؟».

الاعتراف بالألم مهم، لكن من المهم أيضاً ألا نختزل الإنسان في ألمه.

ماذا تعلمنا الصعوبات عن قدرة الإنسان؟

عندما نرى بعض الأطفال الذين يعيشون ظروف الحروب والنزوح، ومن بينهم أطفال فلسطين، قد تلفت انتباهنا قدرتهم على التعبير، وتحمل المسؤولية، والتأقلم، بل وإيجاد لحظات من الفرح رغم المعاناة.

هذه المشاهد تذكرنا بقدرة الإنسان على التكيف حتى في ظروف شديدة القسوة.

لكن من الضروري التمييز بين الصلابة النفسية التي تنمو من خلال الدعم والتجربة، وبين التكيف الذي تفرضه ظروف البقاء.

فالطفل الذي يبدو ناضجاً قد يكون قد اكتسب مهارات حقيقية، لكنه قد يكون أيضاً اضطر إلى تحمل مسؤوليات تفوق عمره.

ولا يمكننا اعتبار مظاهر الصلابة دليلاً على غياب الألم النفسي، أو استنتاج أن الحروب تجعل الأطفال أقوى نفسياً.

إن ما يستحق التأمل هنا ليس تمجيد المعاناة، بل فهم قدرة الإنسان على الاستمرار، والدور الذي قد تؤديه الروابط الأسرية والاجتماعية والشعور بالانتماء في دعمه.

ومن هنا نصل إلى سؤال تربوي مختلف:

إذا كانت الصعوبات الشديدة قد تؤذي النمو النفسي، فهل يعني ذلك أن علينا إزالة جميع الصعوبات الصغيرة من حياة أطفالنا؟

بالطبع لا.

فالطفل يحتاج إلى الأمان والحماية، لكنه يحتاج أيضاً إلى فرص مناسبة لعمره ليتعلم الانتظار، وحل المشكلات، وتحمل الإحباط، والتعامل مع النتائج الطبيعية لقراراته.

ليس المطلوب أن نصنع الصعوبات لأطفالنا، بل ألا نحرمهم من فرص النمو بمحاولة إزالة كل صعوبة من طريقهم.

هل نربي أبناءنا على فهم المشاعر أم الخوف منها؟

أصبحنا نشجع الأطفال على التعبير عن مشاعرهم، وهذا جانب مهم من التربية الصحية.

لكن تعليم الطفل تسمية مشاعره لا ينبغي أن يتوقف عند وصفها.

فحين يقول الطفل إنه غاضب، لا يكفي دائماً أن نؤكد له أن غضبه مفهوم. نحتاج أيضاً إلى مساعدته على تعلم ما يمكنه فعله بهذا الغضب.

وحين يشعر بالإحباط، لا نحتاج بالضرورة إلى إزالة سبب الإحباط فوراً، بل إلى مساعدته على اكتشاف قدرته على تحمله والتعامل معه.

وحين يفشل، قد يكون تشجيعه على المحاولة مجدداً أكثر فائدة من محاولة حمايته من كل شعور مؤلم.

الوعي العاطفي لا يكتمل بمجرد معرفة ما نشعر به، بل يتطور عندما نتعلم كيف ننظم مشاعرنا، ونتصرف بمسؤولية رغم وجودها.

فليس الهدف أن ينشأ طفل لا يحزن أو لا يغضب أو لا يشعر بالرفض، وإنما أن ينمو وهو يعرف أن هذه المشاعر جزء من التجربة الإنسانية، وأنه يستطيع التعامل معها دون أن تتحكم بكل قراراته.

هل أصبحنا أكثر وعياً أم أكثر انشغالاً بأنفسنا؟

ربما يكون هذا أحد أهم الأسئلة التي يطرحها عصرنا.

فالوعي بالنفس يساعدنا على فهم دوافعنا، والتعرف إلى احتياجاتنا، وتحسين علاقاتنا، واتخاذ قرارات أكثر اتزاناً.

لكن الإفراط في مراقبة المشاعر وتحليلها قد يجعل الإنسان منشغلاً باستمرار بما يحدث داخله.

هل أنا سعيد؟ لماذا شعرت بالضيق؟ هل كان رد فعلي طبيعياً؟ هل تصرف الآخر يدل على مشكلة في العلاقة؟

وقد تتحول محاولة فهم الذات إلى دائرة لا تنتهي من الأسئلة.

وهنا يظهر الفرق بين الوعي والاجترار.

الوعي يساعدنا على فهم التجربة ثم العودة إلى الحياة، أما الاجترار فقد يجعلنا نعيد عيش التجربة دون أن نتقدم.

لا نحتاج إلى تجاهل مشاعرنا، لكننا لا نحتاج أيضاً إلى وضعها تحت المجهر طوال الوقت.

أحياناً نحتاج إلى الحديث، وأحياناً إلى التفكير، وأحياناً إلى اتخاذ خطوة، وأحياناً إلى أن نسمح للمشاعر بالمرور دون أن نمنحها تفسيراً إضافياً.

في النهاية… هل نحتاج إلى حياة أسهل أم إلى قدرة أكبر على عيشها؟

ربما لا تكمن المشكلة في أن الحياة أصبحت أكثر راحة، ولا في أننا أصبحنا أكثر وعياً بمشاعرنا.

بل في احتمال أن نخلط بين الراحة والسعادة، وبين الحساسية والضعف، وبين الاهتمام بالمشاعر والانشغال المستمر بها.

نحتاج إلى المعرفة النفسية، لكن دون أن نحول كل اختلاف إلى اضطراب.

ونحتاج إلى الدعم، لكن دون أن نسلب الإنسان ثقته بقدرته على التعامل مع الصعوبات.

ونحتاج إلى حماية أطفالنا، لكن دون أن نمنعهم من اكتشاف قدراتهم.

ونحتاج إلى الإصغاء لألم الآخرين، لكن دون أن نجعل الألم محور هويتهم وحياتهم.

ربما لا يحتاج الإنسان إلى أن يفهم كل شعور قبل أن يواصل يومه، ولا إلى أن يجد تفسيراً لكل تجربة قبل أن يتجاوزها.

فالنضج النفسي لا يعني أن نعيش دون ألم، ولا أن نفهم كل ما نشعر به، بل أن نمتلك المرونة التي تسمح لنا بأن نشعر، ونتعلم، ونتأقلم، ثم نواصل الحياة.

وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا ليس:

كيف نجعل الحياة خالية من الصعوبات؟

بل:

كيف نبني إنساناً يستطيع أن يعيش الحياة، بكل ما فيها، دون أن يفقد توازنه أو قدرته على النهوض؟
هالة الحافظ قبانيAFDAC – أفداك | الاستشارات التربوية والأسرية والتنمية الإنسانية