«ماما، أشعر بالملل!»

جملة كافية أحيانًا لتبدأ رحلة البحث عن نشاط جديد، أو لعبة مختلفة، أو شاشة تملأ الوقت.

أصبحنا نتعامل مع ملل الأطفال وكأنه مشكلة تحتاج إلى حل فوري. نحاول أن نجعل أوقاتهم ممتعة ومفيدة باستمرار، حتى باتت اللحظات التي لا يحدث فيها شيء تبدو وكأنها وقت ضائع.

لكن في سعينا إلى إبقاء أطفالنا منشغلين، ربما نغفل عن قيمة تربوية مهمة: أن يتعلم الطفل كيف يصنع شيئًا من وقت لم يخطط له أحد.

ماذا تقول الأبحاث؟

في دراسة نُشرت عام 2014 في مجلة Frontiers in Psychology، بحث علماء من جامعة كولورادو بولدر العلاقة بين طبيعة أنشطة الأطفال وقدرتهم على توجيه سلوكهم بصورة مستقلة.

وجد الباحثون أن الأطفال الذين أمضوا وقتًا أطول في أنشطة أقل تنظيمًا من الكبار أظهروا أداءً أفضل في مهام تتطلب تحديد الأهداف وإدارة السلوك ذاتيًا.

لم تثبت الدراسة أن الوقت الحر هو السبب المباشر لهذه القدرات، لكنها قدمت مؤشرًا مهمًا على قيمة المساحة التي يستطيع الطفل فيها اختيار ما يفعله بنفسه.

وفي مراجعة علمية نُشرت عام 2024 في Frontiers in Psychology، تناول الباحثون العلاقة بين الملل والفضول، موضحين أن الملل قد يعمل بوصفه إشارة تدفع الإنسان إلى البحث عن معلومات أو تجارب أكثر إثارة لاهتمامه.

لكن الأبحاث لا تؤكد أن الملل يؤدي تلقائيًا إلى الإبداع؛ فقد يتحول أيضًا إلى إحباط أو انسحاب، تبعًا للظروف وطريقة التعامل معه.

عندما يبدأ الطفل بتوليد أفكاره

هناك فرق بين طفل ينتظر باستمرار من يقرر كيف سيقضي وقته، وطفل اعتاد أن يبحث بنفسه عما يثير اهتمامه.

عندما لا تكون هناك تعليمات جاهزة أو نشاط محدد، قد يبدأ الطفل بملاحظة الأشياء من حوله، أو ابتكار لعبة، أو طرح أسئلة، أو تجربة فكرة جديدة.

ليست القيمة في أن يكون كل ما يفعله مبتكرًا، بل في أنه يتدرب على الانتقال من انتظار التحفيز الخارجي إلى المبادرة الذاتية.

وهذه مهارة تتجاوز الطفولة؛ فالقدرة على توليد الأفكار واتخاذ المبادرة والتعامل مع الأوقات غير المنظمة من المهارات التي يحتاجها الإنسان في التعلم والعمل والحياة.

بين الملل المفيد والفراغ المرهق

لا يعني ذلك أن نترك الأطفال لساعات طويلة دون اهتمام أو تفاعل، أو أن نعتبر كل شعور بالملل تجربة إيجابية.

فالطفل يحتاج إلى التواصل واللعب والتوجيه والأنشطة المناسبة لعمره، كما يحتاج إلى أوقات لا يقرر فيها الكبار كل التفاصيل.

التوازن هو الأساس.

يمكن للمربي أن يوفر بيئة غنية بالكتب والألعاب المفتوحة والأدوات البسيطة، ثم يمنح الطفل حرية اختيار ما يريد فعله دون أن يتحول إلى المسؤول الدائم عن تسليته.

وعندما يقول الطفل إنه يشعر بالملل، ليس من الضروري أن نقدم له حلًا جاهزًا في كل مرة. أحيانًا يكفي أن نمنحه الوقت والمساحة ليكتشف بنفسه ما يريد أن يفعل.

فليس مطلوبًا أن نملأ كل دقيقة من حياة أطفالنا بالتجارب؛ من المهم أيضًا أن نترك لهم فرصة صناعة تجاربهم الخاصة.

وربما تكون إحدى الهدايا التربوية التي نقدمها لأطفالنا هي أن نعلمهم أن الوقت الهادئ ليس دائمًا وقتًا فارغًا، وأن الأفكار الجميلة لا تأتي فقط مما نقدمه لهم، بل قد تبدأ مما يكتشفونه بأنفسهم.

هالة قبانيAFDAC – Alhafez Family Development Consultancy

المراجع العلمية

  1. Barker et al. (2014)
    Less-Structured Time in Children’s Daily Lives Predicts Self-Directed Executive Functioning.
    Frontiers in Psychology.
  2. Boredom and Curiosity: The Hunger and the Appetite for Information (2024).
    Frontiers in Psychology.

ملاحظة علمية

تشير الدراسات المذكورة إلى علاقات بين الوقت الأقل تنظيمًا وبعض المهارات المعرفية، وإلى دور محتمل للملل في تحفيز البحث والاستكشاف. ولا تعني هذه النتائج أن تعريض الأطفال للملل عمدًا يضمن زيادة الإبداع، أو أن الأنشطة المنظمة غير مفيدة.