لقاء خاص مع هالة قباني — من البرمجة إلى صناعة الإنسان
AFDAC · حوارات خاصة

لقاء خاص مع هالة قباني — من البرمجة إلى صناعة الإنسان

هالة قباني، مؤسِّسة AFDAC ومطوِّرة منهاج «برمجة صناعة إنسان®». في هذا اللقاء نتعرّف إليها عن قرب، وإلى رحلتها في تطوير منهجية تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة العملية والتطبيق اليومي.

هالة قباني | AFDAC

سعرّفينا بنفسك بكلماتك؟

ج

أنا هالة قباني، مؤسِّسة AFDAC ومطوِّرة منهاج «برمجة صناعة إنسان®». عملت لأكثر من ثلاثين عاماً مع الأطفال والأسر والمجتمعات، وفي مجالات التنمية الأسرية والتدريب والدعم المجتمعي.

لكن إذا أردت أن أعرّف نفسي بعيداً عن المسميات، فأنا إنسانة شغوفة بفهم الإنسان: كيف تتكوّن شخصيته؟ كيف تؤثر فيه طفولته وعلاقاته والبيئة المحيطة به؟ وكيف يمكننا أن نمنحه منذ سنواته الأولى أدوات تساعده على أن يعرف نفسه، وينظّم مشاعره، ويبني علاقات صحية، ويعيش بوعي أكبر؟

هذا السؤال رافقني سنوات طويلة، ومنه وُلد جزء كبير مما أعمل عليه اليوم.

سكيف بدأت رحلتك مع البرمجة؟

ج

عندما أقول «البرمجة»، لا أقصد البرمجة التقنية أو كتابة الأكواد. أقصد تلك الرسائل والأنماط والتجارب التي تتكرر في حياة الإنسان حتى تصبح جزءاً من طريقته في التفكير والشعور والتصرف.

خلال سنوات عملي، كنت أرى مواقف تتكرر أمامي: طفل يتعلّم عن نفسه من طريقة حديثنا معه، مراهق يحمل فكرة عن قيمته بسبب تجارب عاشها، أو شخص بالغ يكتشف أن كثيراً من ردود أفعاله اليوم لها جذور بدأت قبل سنوات طويلة.

وهنا بدأ السؤال يكبر عندي: إذا كانت التجارب اليومية تساهم في تشكيل الإنسان، فلماذا لا نتعامل مع التربية بوعي أكبر؟

بدأت أجمع بين الخبرة العملية وما تعلّمته ودرسته في مجالات النمو النفسي والعلاقات والمهارات الأسرية، وأحوّل ذلك إلى أفكار وأدوات يستطيع الأهل والمربون استخدامها في الحياة اليومية. ومع الوقت، تطورت هذه الفكرة حتى أصبحت منهجاً متكاملاً.

سماذا تعنين بـ«صناعة الإنسان»؟

ج

بالنسبة لي، «صناعة الإنسان» لا تعني أبداً أن نصنع نسخة من الطفل كما نريدها نحن، ولا أن نبرمج شخصيته أو نلغي فرديته.

بل العكس تماماً.

هي أن نفهم أن الإنسان يتشكّل عبر آلاف التفاصيل الصغيرة: كلمة يسمعها، طريقة نتعامل بها مع خطئه، مساحة نعطيها لمشاعره، حدود نضعها له، مسؤولية نعلّمه إياها، وطريقة نتصرف بها نحن أمامه.

نحن لا نتحكم في الإنسان الذي سيصبحه الطفل، لكننا نشارك في بناء البيئة التي ينمو داخلها.

لذلك أرى أن صناعة الإنسان هي الانتقال من تربية تركز فقط على: «كيف أجعل طفلي يتصرف بشكل صحيح؟» إلى سؤال أعمق:

«ما الإنسان الذي أساعده اليوم على أن يصبحه غداً؟»

سحدّثينا عن منهاج «برمجة صناعة إنسان» — ما فكرته ولمن هو موجّه؟

ج

منهاج «برمجة صناعة إنسان®» هو نتيجة سنوات طويلة من العمل والملاحظة والتعلّم والتطبيق مع الأسر والأطفال.

فكرته الأساسية أن التربية ليست مجموعة تعليمات منفصلة، بل عملية بناء متكاملة. لذلك لا نتحدث فقط عن السلوك، وإنما عن المشاعر، والتواصل، والثقة بالنفس، والحدود، والاستقلالية، والعادات، وطريقة التفكير، والعلاقات، وغيرها من الجوانب التي تساهم في نمو الإنسان.

المنهج موجّه بشكل أساسي للأهل والمربين، كما تم تطويره ليُقدَّم من خلال برامج تدريبية ومدربين معتمدين ومؤسسات تعمل مع الأسرة والطفل.

وأكثر ما يهمني فيه أن يبقى قابلاً للتطبيق. لا أريد أن يخرج الأب أو الأم من دورة ومعه عشرات المعلومات ثم يعود إلى المنزل ولا يعرف ماذا يفعل بها. أريد أن يستطيع أن يقول: «فهمت الفكرة، وأعرف ما الشيء الصغير الذي يمكنني أن أبدأ بتغييره اليوم.»

لهذا ارتبط المنهج بالكتب، والتدريب، والأنشطة، والألعاب والأدوات التطبيقية التي تساعد على نقل المعرفة من الفكرة إلى الممارسة اليومية.

سهل تكتبين كتاباً حالياً؟

ج

الكتابة عندي أصبحت امتداداً طبيعياً للعمل الذي أقوم به. سلسلة «برمجة صناعة إنسان®» أصبحت اليوم ثلاثة أجزاء، وكل جزء منها يتناول جانباً من رحلة التربية وبناء الإنسان، من الأساسيات إلى التطبيق، وصولاً إلى التربية في العالم التكنولوجي.

وفي الحقيقة، الأفكار لا تتوقف عند هذه السلسلة. هناك مشاريع ومواد جديدة أعمل عليها، وبعضها ينتقل إلى مساحة أوسع تتعلق بالعلاقات والأسرة وبناء البيت نفسه، وليس فقط تربية الأبناء.

أحب أن تكون الكتابة مرتبطة بالحياة الحقيقية؛ لذلك كثير من الأفكار تبدأ من سؤال، أو موقف، أو مشكلة أراها تتكرر داخل البيوت، ثم أعود وأسأل: كيف يمكن أن نحوّل المعرفة هنا إلى شيء يفيد الأسرة فعلاً؟

سما رسالتك لمن يقرأ هذا اللقاء؟

ج

رسالتي بسيطة: لا تستهينوا بالتفاصيل الصغيرة.

نحن نبحث أحياناً عن تغييرات كبيرة، بينما بناء الإنسان يحدث غالباً في أشياء تبدو عادية جداً: طريقة استقبالنا لمشاعر طفل، كلمة نقولها وقت الخطأ، اعتذار، حضن، حد واضح، مساحة للاستماع، أو فرصة نعطيها له ليحاول بنفسه.

ولا توجد تربية مثالية، ولا أسرة تعيش كل شيء بالشكل الصحيح طوال الوقت. ما أؤمن به هو التربية الواعية: أن نفهم أكثر، وأن نراجع أنفسنا، وأن نصلح عندما نخطئ، وأن نستمر في التعلّم.

لأننا في النهاية لا نربي طفلاً ليبقى طفلاً.

نحن نشارك، كل يوم، في بناء إنسان سيخرج إلى العالم يوماً ما ويحمل معه ما تعلّمه داخل بيته.

وهنا تبدأ بالنسبة لي مسؤولية «صناعة الإنسان».