قد لا يتذكر الطفل الكلمات التي استخدمناها عندما أخطأ، لكنه قد يتذكر شعوره بالخوف من رد فعلنا. وقد ينسى تفاصيل موقف صعب، لكنه يحتفظ بإحساسه بالأمان عندما وجد من يستمع إليه ويفهمه.
هذه ليست مجرد ملاحظة تربوية، بل ترتبط بالطريقة التي يعالج بها الدماغ التجارب العاطفية ويخزنها في الذاكرة.
فنحن لا نتذكر الأحداث باعتبارها معلومات فقط، بل نتذكر أيضًا المشاعر التي رافقتها، وقد تؤثر هذه المشاعر في الطريقة التي نفهم بها تجاربنا اللاحقة.
كيف تؤثر المشاعر في الذاكرة؟
تشير أبحاث علم الأعصاب إلى أن التجارب المرتبطة بمشاعر قوية قد تكون أكثر قابلية للتذكر من التجارب المحايدة.
وتؤدي اللوزة الدماغية (Amygdala) دورًا مهمًا في معالجة الأهمية العاطفية للأحداث، وتتفاعل مع الحُصين (Hippocampus)، الذي يشارك في تكوين ذكريات الأحداث واسترجاعها.
وقد أوضحت مراجعة علمية نُشرت عام 2023 أن النشاط المرتبط بالانفعالات العاطفية يمكن أن يعزز بعض العمليات العصبية المسؤولة عن تثبيت الذكريات.
لكن ذلك لا يعني أن المشاعر تُحفظ دائمًا بصورة أدق من الكلمات؛ فقد تقوّي المشاعر تذكّر جوانب معينة من التجربة، بينما تصبح تفاصيل أخرى أقل وضوحًا.
وهنا تظهر أهمية هذه المعرفة في التربية.
فالطفل الذي يسمع توجيهًا صحيحًا بطريقة مهينة قد ينشغل بمشاعر الخوف أو الخجل أكثر من انشغاله بالرسالة التربوية نفسها. وفي المقابل، عندما يُصحَّح سلوكه باحترام ووضوح، تصبح التجربة فرصة للتعلم دون أن تتحول إلى تهديد لشعوره بالأمان.
فطريقة تقديم الرسالة قد تكون جزءًا من أثرها، وليست مجرد وسيلة لإيصالها.
العلاقة التي ترافق الذكرى
في دراسة نُشرت عام 2021 في Journal of Experimental Child Psychology، بحث العلماء العلاقة بين الأمان في ارتباط الطفل بوالديه وطريقة استرجاع ذكرياته العاطفية.
وشملت الدراسة 72 طفلًا في مرحلة ما قبل المدرسة، ووجد الباحثون ارتباطًا بين الأمان في العلاقة الوالدية ودقة تذكّر الأحداث العاطفية، وكان جزء من هذا الارتباط مرتبطًا بطريقة حديث الوالدين مع أطفالهم عن تجاربهم السابقة، ومدى حساسيتهم لمشاعرهم أثناء الحوار.
تلفت هذه النتائج الانتباه إلى أن أثر المربي لا يقتصر على ما يحدث أثناء الموقف، بل يمتد إلى الطريقة التي يساعد بها الطفل على فهم ما حدث بعد انتهائه.
فعندما نعود إلى موقف صعب ونتحدث مع الطفل بهدوء، ونساعده على تسمية مشاعره وفهم ما جرى، فإننا لا نعيد سرد الحدث فقط، بل نساهم في الطريقة التي ينظم بها تجربته ويتذكرها.
وهذا لا يتطلب أن تكون جميع تجارب الطفل إيجابية، أو أن يتجنب المربي الغضب والخلاف تمامًا. فالعلاقات الإنسانية تتضمن لحظات توتر واختلاف، لكن طريقة التعامل معها وإصلاح ما يحدث خلالها جزء أساسي من بناء علاقة آمنة.
ما الذي يبقى من كلماتنا؟
نركز كثيرًا على اختيار الكلمات الصحيحة لتعليم أطفالنا الاحترام والثقة والمسؤولية. لكن الكلمات لا تعمل بمعزل عن نبرة الصوت، وتعابير الوجه، وطريقة الاستجابة، والمناخ العاطفي الذي نخلقُه حول الطفل.
قد نقول للطفل إن الخطأ فرصة للتعلم، ثم نستقبله بالغضب الشديد عندما يخطئ. وقد نطلب منه التعبير عن مشاعره، ثم نقلل من أهميتها عندما يفعل.
في هذه الحالات، لا يتلقى الطفل رسالة واحدة، بل رسائل قد تكون متناقضة بين ما يسمعه وما يختبره.
ولهذا فإن التربية لا تقوم فقط على ما نريد أن يتعلمه الطفل، بل على التجربة التي يعيشها أثناء تعلّمه.
فالأمان لا يُبنى بمجرد تكرار عبارة «أنت بأمان»، والثقة لا تنمو فقط عندما نقول «أنا أثق بك». إنهما يتشكلان تدريجيًا من خلال مواقف متكررة يشعر فيها الطفل بأنه مسموع ومحترم، وأن الخطأ لا يعني فقدان المحبة أو القبول.
قد ينسى الطفل بعض ما قلناه، لكنه قد يحمل أثر الطريقة التي عاملناه بها إلى تجارب وعلاقات لاحقة.
وربما تكون إحدى أهم مسؤولياتنا التربوية ألا نكتفي بالتفكير فيما نريد أن يتذكره أطفالنا من كلماتنا، بل أن ننتبه أيضًا إلى ما نريد أن يبقى في داخلهم من شعور عندما يتذكروننا.
المراجع العلمية
- Paré & Headley (2023)
The Amygdala Mediates the Facilitating Influence of Emotions on Memory Through Multiple Interacting Mechanisms.
مراجعة علمية حول الآليات العصبية التي تربط المشاعر بتثبيت الذكريات. - Parent–Child Attachment Security Is Associated With Preschoolers’ Memory Accuracy for Emotional Life Events Through Sensitive Parental Reminiscing (2021).
Journal of Experimental Child Psychology.
دراسة تناولت العلاقة بين الأمان في الارتباط الوالدي، والحوار الحساس حول المشاعر، ودقة ذاكرة الأطفال للأحداث العاطفية. - The Influences of Emotion on Learning and Memory (2017).
Frontiers in Psychology.
مراجعة علمية حول تأثير الانفعالات في التعلم والذاكرة.
ملاحظة علمية
لا تعني الذاكرة العاطفية أن الدماغ يتذكر المشاعر دائمًا أكثر من الكلمات، أو أن تجربة واحدة تحدد شخصية الطفل ومستقبله. إنما تشير الأبحاث إلى أن الانفعالات قد تؤثر في قوة بعض الذكريات وطريقة استرجاعها، وأن طبيعة العلاقة والتجارب المتكررة مهمة في نمو الطفل.

